ابن عجيبة

629

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أي : لطيف التدبير لما يشاء من الأمور ؛ إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته ، ويتسهل دونها ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بوجوه المصالح والتدابير ، الْحَكِيمُ الذي يفعل كل شئ في وقته ، على وجه تقتضيه الحكمة . روى أن يوسف عليه السّلام طاف بأبيه - عليهما السّلام - في خزائنه ، فلما أدخله خزانة القرطاس ، قال : يا بنى ، ما أغفلك ، عندك هذه القراطيس وما كتبت لي على ثماني مراحل ، قال : أمرني جبريل ، قال : أو ما تسأله ؟ قال : أنت أبسط منى ، سله ، فقال جبريل : أمرني ربى بذلك ؛ لقولك : ( إني أخاف أن يأكله الذئب ) ، فهلا خفتنى . ه . قاله البيضاوي . وزاد في القوت : لم خفت عليه الذئب ولم ترجنى ؟ ولم نظرت إلى غفلة إخوته ، ولم تنظر إلى حفظي له ؟ فهذا على معنى قول يوسف عليه السّلام للساقي : ( اذكرني عند ربك ) ، فهذا مما يعتب على الخصوص من خفى سكونهم ، ولمح نظرهم إلى ما سوى اللّه عز وجل . ه . الإشارة : ما أحلى الوصال ، بعد الفراق ، وما ألذ شهود الحبيب على الاشتياق ، فبقدر طول البين يعظم قدر الوصول ، وبقدر حمل مشاق الطلب يظفر بالمأمول . فجدّ أيها العبد في طلب مولاك ، وغب في سيرك إليه عن حظوظك وهواك ، تظفر بالوصل الدائم في عزك وعلاك ، وتتصل بكل ما كنت تأمله من مطالبك ومناك . وأنشدوا : وإن امرؤ أمسى بقربك نازلا * فأهلا به ، حاز الفضائل كلّها وألبسته حلى المحاسن فاكتسى * حلل الرضا فازداد قربا ما انتهى وباللّه التوفيق . ثم إن يوسف عليه السّلام لما تمكن من الملك الفاني ، اشتاق إلى الملك الباقي ، فقال : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 101 ] رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 101 ) قلت : ( فاطر ) : نعت المنادى ، أو منادى بنفسه . يقول الحق جل جلاله ، حاكيا عن يوسف عليه السّلام : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ أي : من بعض الملك ، وهو ملك مصر ، وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ؛ الكتب المتقدمة ، أو تأويل الرؤيا . و « من » : للتبعيض فيهما ؛ إذ لم يعط ملك الدنيا كلها ، ولا أحاط بالعلم كله . فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : مبدعهما ومنشئهما ، أَنْتَ وَلِيِّي فِي